أخر الأخبار

mercredi 13 septembre 2017

الجمال في الأسلوب القرآني –الجزء الأول-

                   
 
 طارق الوفي أستاذ مادة اللغة العربية 
    

اختيارنا لهذا الموضوع لم يأت من فراغ، بل فيما رأينا من أن الشباب أصابهم من هذا الذي أصاب عموم الجيل العربي الحديث من ضعف في الحاسة الأدبية والجمالية-الأسلوبية للقرآن.ولأن النفس الإنسانية تحب الجمال والشعر جمال كله.وبإمكانه أن يزيد الحق والصواب رونقا ووضوحا أو أن يخفي ما يشين صفحة الباطل والخطأ والوهم منه خروق ونتوء واعوجاج. فينطلي عيبه بالتزويق. ولا يتخلص من أسر الشعر وتأثيره إلا قلب عامر بالإيمان عمرانا كافيا.وهذا هو التأثير الذي ملأ آيات القرآن فجعل أسلوبه ممزوجا بنوع من تأثير الشعر والمجاز والجناس والتشبيه...وصاحب الذوق يدرك ذلك.
إن أول ما يستوقف الباحث الذي يريد أن يؤصل للجمال في التصور الإسلامي من القرآنهو قوله تعالى (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون)فقد وردت الإشارة إلى الجمال صريحو في القرآن ثماني مرات.واحدة منها بصيغة المصدر – جمال- والسبع الباقيات بصيغة الصفة – جميل- : (فصبر جميل ).
ولهذا فالجمال لم يأت من بين الفوائد مستقلا قائما بذاته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أمرين اثنين:1 هو أن الجمال أصل من هذا الكون .2 أن الجمال في التصور الإسلامي متربط بالمنفعة ارتباطا وثيقا.فالنافع والجميل لايكاد ينفصل الواحد منهم عن الآخرفي هذا التصور.فقد ذكر الجمال وسط مجموعة من المنافع المادية وفي هذا إشارة إلى أن الجانب الجمالي لا يقل أهمية عن الجوانب النفعية المادية.
ويطلق الأسلوب في اللغة على الطريق الممتد والأسلوب الطريق والوجه والمذهب والأسلوب الفن.يقال "أخذ فلان في أساليب من القول" أي أفانين منه. وفي اصطلاح البلاغيين هو "طريقة اخيار الالفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير." فالأسلوب القرآني هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه.

ولذلك أجمع العلماء على أن القرآن جاء بأسلوب مغاير لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف. وكان العرب يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب.روى مسلم في صحيحه أن أنيسا قال لأبي ذر:"لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت فما يقول الناس؟ قال : يقولون شاعر كاهن ساحر وكلن أنيس أحد الشعراء.قال لقد سمعت قول الكهنة فماهو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر.والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون" ذكر عيسى بن علي الرماني في رسالته(النكت في إعجاز القرآن) أن القرآن جاء بأسلوب جديد حيث قال: ' وأما نقض العادة فإن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام المعروفة: منها الشعر والسجع ومنها الخطب والرسائل والمنثور...فأتى القرآن بطريقة منفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق كل طريقة.ومثل ذلك قال ابو بكر البقلاني وطه حسين وكثير من العلماء أكدوا أنه ليس شعرا ولا نثرا وإنما (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير).فهو وحيد في بابه لم يكن قبله ولا بعده مثله إذ أنه تحدى الناس ولا زال يتحداهم إلى اليوم وإلى قيام الساعة أن يحاكوه وأن يأتوا بسورة من مثله.


pagead2.googlesyndication.com pagead2.googlesyndication.com
  • تعليقات بلوجر
  • تعليقات الفيس بوك

0 التعليقات:

Enregistrer un commentaire

Item Reviewed: الجمال في الأسلوب القرآني –الجزء الأول- Description: Rating: 5 Reviewed By: هيئة التحرير
Scroll to Top